العودة   منتديات ستوب > المنتديات الأدبية > منتدى المقالات الادبية والمكتبة الأدبية المتكاملة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
أهمية الحديث النبوي الشريف لامية العرب السيرة النبوية وقصص الانبياء والصالحين والتاريخ الاسلامي 11 March 8, 2014 11:40 AM
أدب العصر الأموي وعصر صدر الأسلام . شعراء . خطباء . فنون . قصائد . خطب . تاريخ الأدب ^كــاتم أســرار^ منتدى المقالات الادبية والمكتبة الأدبية المتكاملة 20 March 15, 2013 09:15 PM
الأدب الجاهلي . شعراء العصر الجاهلي . الشعر الجاهلي قراءة نقدية . خطباء العصر الجاهلي ^كــاتم أســرار^ منتدى المقالات الادبية والمكتبة الأدبية المتكاملة 14 October 11, 2012 07:58 PM
التفخيم و الترقيق,موضوع شامل عنهما في علم التجويد أمير الحربي منتدى الفقه الاسلامي والاعجاز العلمي والاستفسارات الشرعية 9 June 1, 2012 01:32 AM
سيرة حياة الليث بن سعد,الامام الحافظ أمير الحربي السيرة النبوية وقصص الانبياء والصالحين والتاريخ الاسلامي 5 June 1, 2012 01:27 AM



إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع
قديم May 31, 2010, 10:41 AM   رقم المشاركة : 4
معلومات العضو






^كــاتم أســرار^ غير متواجد حالياً


المسرحية: ارتقى الأدب المسرحي العربي منذ أوائل القرن العشرين ارتقاءً نوعياً عما كان عليه في القرن التاسع عشر فقد مر بمرحلة الترجمة عن الأدب الغربي، ثم مرحلة كتابة الهواة الذين كانوا يمثلون ما يكتبونه في الوقت ذاته. وقد تم الارتقاء المذكور على أيدي كتاب كثيرين من مصر وبلاد الشام بصورة أساسية.
ويعد توفيق الحكيم أكبر المسرحيين العرب شهرة وغزارة وتنوع إنتاج. فقد فاق غيره في تقنيات هذا الفن لاسيما الحوار. وتنوعت الاتجاهات لديه فكتب المسرح الاجتماعي كما في مجموعتيه «مسرح المجتمع» و«المسرح المنوع» كما كتب في المسرح الذهني مثل «أهل الكهف» و«شهرزاد» و«بغماليون» و«الملك أوديب» وكتب مسرح اللامعقول في مسرحية «يا طالع الشجرة» واستلهم بعضاً من التراث العربي مثل «هارون الرشيد» و«سليمان الحكيم» وجرب مزاوجة العامية بالفصحى كما في مسرحية «الصفقة».
ومن كتاب المسرح الأوائل في مصر محمود تيمور الذي استوحى بعض مسرحياته من التاريخ العربي مثل «صقر قريش» و«اليوم خمر» واستوحى بعضها الآخر من المجتمع مثل «كذب في كذب» و«أبو شوشة». وامتاز علي أحمد باكثير [ر] بمسرحياته التاريخية كما في «أبو دلامة» و«سلامة القس» وكتب بعض المسرحيات عن مصر القديمة مثل «أوزوريس» كما كتب المسرحيات الفكاهية مثل «قطط وفئران».
ومن أعلام المسرح المصري في النصف الثاني من القرن العشرين سعد الدين وهبة ومن مسرحياته «بير السلم» وألفريد فرج ومن مسرحياته «علي جناح التبريزي وتابعه قفة» ومحمود دياب ويوسف إدريس وعلي سالم وآخرون.
وأشهر كتاب المسرح في سورية سعد الله ونوس [ر] ومن مسرحياته «حفلة سمر من أجل 5 حزيران» و«الفيل يا ملك الزمان» «والملك هو الملك» و«سهرة مع أبي خليل القباني» وغيرها. ومن الكتاب المشهورين في المسرح السوري علي عقلة عرسان ومن أعماله «السجين رقم 95» و«رضا قيصر». ومنهم مصطفى الحلاج، ومن أعماله «القتل والندم» و«الغضب»، وممدوح عدوان ومن أعماله «ليل العبيد» و«كيف تركت السيف»، وأحمد يوسف داود ومن أعماله «الخطا التي تنحدر» و«الغراب»، وفرحان بلبل ومن أعماله «الممثلون يتراشقون الحجارة» و«العشاق لا يفشلون»، ورياض عصمت ومن أعماله «لعبة الحب والثورة» و«الحداد يليق بأنتيغون». ومنهم الأب إلياس زحلاوي ومن أعماله «المدينة المصلوبة» و«الطريق إلى كوجو»، وعبد الفتاح قلعة جي وله «ثلاث صرخات» و«السيد» وغيرها.
وأشهر كتاب المسرح في العراق هو يوسف العاني ومن أعماله «أنا أمك يا شاكر» و»المفتاح والخزانة» ومنهم نور الدين فارس وعادل كاظم وآخرون.
ومن لبنان اشتهر ميخائيل نعيمة في كتابة المسرح بمسرحيته الوحيدة «الآباء والبنون» وقد كتبها في المهجر. ومن الأجيال الجديدة روجيه عساف وآخرون. وقد ازدهر المسرح الغنائي في لبنان على حساب الأدب المسرحي العادي وقد سبقت الإشارة إلى ذلك. ومن كتاب المسرح في ليبية عبد الله القويري، ومن أعماله «الجانب الوضيء» و«الصوت والصدى»... ومنهم المهدي أبو قرين وله «ذريعة الشياطين» أما أكثرهم نشاطاً فهو عبد الكريم خليفة الدناع وله «دوائر الرفض والسقوط» و«سعدون» و«المحنة» وغيرها.
ومن كتاب المسرحية في تونس: خليفة السطنبولي وقد كتب بعض أعماله بالفصحى وبعضها الآخر بالعامية، ومنها «المعز لدين الله الصنهاجي» و«سقوط غرناطة» و«أنا الجاني». ومنهم عز الدين المدني وله «ديوان الزنج» و«رحلة الحلاج» و«الغفران» وغيرها.
وفي الجزائر اشتهر كاتب ياسين وقد ألف بالفرنسية وبالعربية ومن أعماله «محمد يأخذ حقيبتك» و«حرب الألفي سنة». وكتب هنري كريا «الزلزال» كما كتب محمد بوضيا «ولادات». ومن الأسماء التي برزت بعد الاستقلال: ولد عبد الرحمن بن كاكي وعبد القادر علولة وسليمان بن عيسى وآخرون.
وفي المغرب برز اسم أحمد الطيب العلج. ومن أعماله «الوزير والفنان» و«بين نارين» وغيرهما. وهناك أسماء أخرى معروفة مثل عبد القادر البدوي، مصطفى القومي، وعبد الهادي بوزوبع، والطيب الصديقي، وعبد الكريم برشيد وغيرهم.
وفي شبه الجزيرة العربية تأصلت الحركة المسرحية في الكويت بفضل إنشاء معهد الفنون المسرحية الذي كان أول عميد له أحد رواد المسرح العربي وهو زكي طليمات. وقد وجد المسرح في الكويت كاتباً موهوباً هو صقر الرشود 1944-1978 الذي استطاع على الرغم من رحيله المبكر، أن يترك للمسرح العربي تراثاً من الأعمال الجيدة مثل مسرحية «الطين» وسواها. وقد ترجمت المسرحية المذكورة إلى الإنكليزية ضمن مجموعة مختارة من أدب شبه الجزيرة العربية، صدرت عن مؤسسة بروتا برعاية جامعة الملك سعود. ومن الشارقة في الإمارات العربية المتحدة برز اسم عبد الرحمن المناعي الذي كتب مسرحية «هالشكل يا زعفران» و«مقامات ابن بحر» و«يا ليل يا ليل».
وفي كتابة المسرحية - كما في القصة والرواية تبرز - مشكلة ذات أهمية بالغة تتعلق بلغة الحوار: أتكون فصحى أم عامية؟ أم يجمع فيها بين الاثنتين؟!
لقد ربط بعض الكتاب والنقاد الحوار بالواقع وقالوا بوجوب أن يكون مشاكلاً له، مناسباً للشخصية التي تنطق به. لذلك حاول توفيق الحكيم - كما سبقت الإشارة - أن يزاوج بين الفصحى والعامية في مسرحية الصفقة مجرباً أن يصل إلى «لغة موحدة» تقرأ بالفصحى وبالعامية في آن واحد، لكن التجربة أخفقت إذ استحالت لغة تلك المسرحية عامية خالصة في أثناء التمثيل. وتردد محمود تيمور في مسرحياته بين استعمال الفصحى والعامية فكتب بعضاً بهذه وبعضاً بتلك، ثم عاد فنقل مسرحيته «أبو علي عامل أرتيست» من العامية إلى الفصحى وسماها «أبو علي الفنان». وجرب ميخائيل نعيمة أن ينطق شخصيات مسرحية «الآباء والبنون»: المتعلمين بالفصحى، والأميين بالعامية فوقع في ازدواجية أنكرها هو ذاته إذ عاد فطبع مسرحيته كلها بالفصحى.
والواقع أن المشكلة ما تزال قائمة. فالمسرح التجاري في سورية يستعمل العامية المبتذلة، ومسرح ما بعد الحرب في لبنان يستعمل العامية على الرغم من أهمية الموضوعات المطروحة في كثير من الأعمال الجديدة. والمسرح الفكاهي في مصر يستخدم العامية المصرية كما في المسرحيتين المعروفتين «مدرسة المشاغبين» و«شاهد ما شافش حاجة». ولعل الحل يكمن في استخدام فصحى مبسطة يفهمها أبناء العروبة في مختلف أقطارهم لأن في ذلك حفاظاً على الروابط القومية وعلى اللغة العربية ذاتها.
السيرة: ظهرت السيرة la biographie بمفهومها الفني في الأدب العربي الحديث، سواء منها: الموضوعي سير الآخرين biographie أم السيرة الذاتية autobiographie. وتم ذلك بعد الاتصال بالأدب الغربي وإن كانت في الأدب العربي القديم مذكرات وسيراً غلب عليها الجانب التقريري مثل» «التعريف بابن خلدون» و«كتاب الاعتبار» لأسامة بن منقذ، و«المنقذ من الضلال» للغزالي، و«سيرة صلاح الدين» لابن شداد وغيرها.والسير هي غير تراجم الشخصيات التي كثرت وتعددت بعد الحرب العالمية الأولى في الأدب العربي الحديث مثل «تراجم شخصيات شرقية وغربية» لمحمد حسين هيكل، و«في المرآة» لعبد العزيز البشري [ر]، و«سلسلة العبقريات» لعباس محمود العقاد، و«الجاحظ» لشفيق جبري، و«صقر الجزيرة» لعبد الغفور العطار وسواها الكثير، فهذه وسط بين السيرة وما عرف قديماً في كتب التراجم مثل معجم الأدباء لياقوت الحموي وغيره من الكتب المشابهة. وهي في أسلوبها دراسة للشخصيات وعرض لوقائع حياتها، لا تصوير فني للنزعات والخلجات التي تعتمل في نفوسها، وتمثل لها وإعادة لعرضها مع تتبع نموها وتطورها وتكاملها.
وأول سيرة فنية موضوعية في الأدب العربي الحديث هي سيرة «جبران خليل جبران» وقد نشرت عام 1934 وقص فيها ميخائيل نعيمة سيرة حياة صديقه في مراحل ثلاث: «الشفق - الغسق - الفجر» واستوفى تلك الحياة محللاً ناقداً ومراعياً تقنيات السيرة الفنية. وقد مضى على هذه السيرة زمن طويل من دون أن تكتب سيرة أخرى مماثلة لها. ولعل أقرب ما يكون إليها: «حياة الرافعي» لسعيد العريان، ثم «منصور الأندلس» لعلي أدهم.
وقد جرب العقاد أن يكتب سيرة ابن الرومي مستخدماً معطيات علم النفس والتحليل النفسي في ذلك.
أما ما يتصل بالسيرة الذاتية فمنها ما يقارب السيرة الفنية، وتجلى في تناول جوانب من حياة بعض الكتاب الذين تحدثوا عن تجاربهم في الحياة كما فعل أحمد فارس الشدياق في كتابه «الساق على الساق» وتوفيق الحكيم في «عصفور من الشرق» و«زهرة العمر»، وعباس العقاد في «سارة»، وإبراهيم عبد القادر المازني في «إبراهيم الكاتب». وامتازت هذه كلها بأسلوب القص. لكن بعض السير الأخرى كتبت بأسلوب تقريري فكانت أقرب إلى التراجم كما في «حياتي» لأحمد أمين و«أنا» للعقاد.
وكتب أيضاً ما يشبه السيرة الذاتية بقالب مذكرات أو يوميات، كما في مذكرات كل من محمد كرد علي، ومحمد حسين هيكل، وخليل السكاكيني، و«مذكرات سجين مكافح» لإبراهيم الكتاني المغربي.
ولعل «الأيام» لطه حسين التي صدرت في القاهرة منذ عام 1927 هي أول سيرة ذاتية فنية، مع أنها يمكن أن تدرج في إطار الرواية. وقد قص الكاتب فيها - مستخدماً ضمير الغائب - نشأته في صعيد مصر وتدرجه في تحصيل العلم: من كتاب الريف إلى الأزهر فالجامعة في القاهرة. ثم تابع طه حسين قص المراحل التي تلت ذلك في باريس وبعد عودته منها في جملة مقالات نشرت من بعد في كتاب حمل اسم «مذكرات طه حسين».
ومن السير الذاتية التي قاربت أن تكون فنية «سبعون» لميخائيل نعيمة، وتقع في ثلاثة أجزاء قص فيها سيرته الذاتية في ثلاث مراحلة ضمت: مرحلة الطفولة والصبا حتى نهاية دراسته في روسية - مرحلة الشباب والهجرة إلى أمريكة حتى عودته إلى لبنان - مرحلة الكهولة والشيخوخة بعد العودة حتى بلغ السبعين. ونعيمة، وإن أغفل كثير من وقائع حياته قبل السبعين، امتاز هنا بأسلوبه التصويري، وصدقه في التعبير. ومع هذا فقد جاءت سيرته فصولاً متتابعة تفتقر إلى الترابط في كثير من أجزائها، كما ينقصها بعض تقنيات السيرة الفنية المتوافرة في ما كتبه عن جبران.
النقد الأدبي: حاول بعض رجال الأدب منذ أواخر القرن التاسع عشر تجديد النقد الأدبي وتطبيق القواعد التي كانت سائدة في العصر العباسي على الشعر خاصة. وأول هؤلاء هو حسين المرصفي الذي ألف كتاب «الوسيلة الأدبية» - طبع الجزء الأول منه عام 1289هـ والثاني عام 1292هـ - وشرح فيه بعض النصوص الشعرية القديمة لطلابه شرحاً لغوياً واتخذ من النحو والبلاغة وسيلة لإيضاح الصور والإرشاد إلى أسرار بلاغة النص موازناً بينه وبين بعض قصائد البارودي التي عارض فيها الشعراء القدامى، معتمداً في ذلك كله على ذوقه الفني المرهف. وهكذا مهد السبيل لمن جاء بعده لتجديد النقد.
وتلا كتاب المرصفي هذا كتابان نقديان الأول هو «علم الأدب عند الإفرنج والعرب» طبع عام 1904 لمحمد روحي الخالدي، والثاني هو «منهل الورّاد في علم الانتقاد» لقسطاكي الحمصي وطبع عام 1907. وكان لهذين الكتابين أثر مهم في التمهيد للحركة النقدية، وإن اقتصرا على إطلاع الأدباء العرب على بعض المذاهب والقضايا الأدبية الغربية.
ثم ظهرت كتب نقدية كان أسبقها كتاب «في الشعر الجاهلي» لطه حسين اعتمد فيه نظرية ديكارت Descartes «الشك حتى يتضح اليقين» فلقي معارضة شديدة اضطرته إلى حذف بعض فقراته وتعديله، وقد نشر تحت عنوان «في الأدب الجاهلي» عام 1926. وقد شك طه حسين في ما روي عن الجاهليين وشعرهم. وبعد البحث والمناقشة توصل إلى نتيجة مفادها أن معظم الشعر الجاهلي منتحل وموضوع بعد الإسلام.
وقد رد عليه كثير من النقاد وخاصة مصطفى صادق الرافعي في كتابه «تحت راية القرآن، أو المعركة بين القديم والجديد، ونشره عام 1926. ومن كتب طه حسين النقدية «حديث الأربعاء» و«من حديث الشعر والنثر» و«فصول الأدب والنقد» وغيرها.
وقد نشرت إلى جانب ذلك كتب ومقالات مترجمة عن النقد الغربي وقواعده وأصوله ومذاهبه، ومن أبرزها ما كتبه نجيب الحداد وغيره في الموازنة بين الشعر الغربي والشعر العربي في اللفظ والقافية والمعنى، وكان هذا كله دافعاً لبعض الشعراء للخروج على تقاليد الشعر القديم. وكذلك نشرت مقالات وكتب كثيرة بعد أن قرأ النقاد العرب ما قرؤوه بالفرنسية والإنكليزية وتأثروا به. وقد نشأ عن ذلك تيار النقد الاتباعي، أي الكلاسيكي الجديد، وخاصة في مفهومه للشعر الذي يجمع بين آراء الغربيين، ويتفق - في الوقت ذاته - مع رسالة الشعر وجوهره وحسبما هو معروف عند العرب.
وظهر كتاب «الديوان» لعباس العقاد والمازني،وكتاب «الغربال» لميخائيل نعيمة، وصدرا في سنة واحدة 1921 واتفقت وجهات النظر فيهما على ضرورة تجديد الأدب بالهدم ثم البناء، كما اتفقت على معظم القيم النقدية الجديدة، ولاسيما صدق التعبير عن حقيقة النفس، والدعوة إلى وحدة القصيدة، وإن اختلف نعيمة مع صاحبي «الديوان» في اللغة - وسيلة الأداء - لكن كلا الطرفين ينتميان في النهاية إلى المنهج التأثري الذاتي.
وفي الأربعينات نشطت الحركة النقدية فصدرت كتب كثيرة كان أبرزها كتاب «في الميزان الجديد» لمحمد مندور، استهدف فيه تصحيح مناهج النقد، واتبع ذلك بتفسير نصوص تطبيقية تناول فيها نقد بعض الكتب وهي «بغماليون» و«زهرة العمر» لتوفيق الحكيم، و«دعاء الكروان» لطه حسين، و«نداء المجهول» لمحمود تيمور، و«سوء تفاهم» لبشر فارس وديوان «أرواح وأشباح» لعلي محمود طه. وكذلك قام محمد مندور بنقد أدب المهجر وسماه «الأدب المهموس» وعرض لبعض مناهج النقد العربي القديم، ولدراسة أوزان الشعر الأوربي والشعر العربي وقد سمي منهجه في هذا الكتاب «المنهج الأيديولوجي» وهو يعنى فيه بقيمة الأدب الجمالية إلى جانب اهتمامه بالمضمون، ويوضح منهجه في تطبيقه على أبي العلاء المعري، المعرفة والنقد، وهو منهج ذوقي تأثري يقوم على نوعين من المعرفة: معرفة أثناء النقد وهي المعرفة الأدبية اللغوية، ومعرفة تسبق النقد وهي نوعان: معرفة بأصول النشر - فيما يتعلق بالمخطوطات، ومعرفة بأوزان الشعر.
والواقع أن الكتب الثلاثة السابقة، أي «الديوان» و«الغربال» و«في الميزان الجديد» تعد أبرز معالم النقد العربي الحديث في النصف الأول من القرن العشرين، ويتفق أصحابها في المنهج التأثري المعتمد على الذوق الشخصي، وترجع في أصولها إلى منابع الثقافة الغربية الإبداعية الرومانسية التي نهل منها هؤلاء وإن كان العقاد والمازني ونعيمة قد تأثروا بالثقافة الإنكليزية في حين تأثر مندور بالثقافة الفرنسية.
إلى جانب الكتب السابقة التي تناولت الشعر والنثر والمقاييس النقدية ظهر في مصر عام 1948 كتاب خاص بنقد الشعر هو «الشعر المعاصر على ضوء النقد الحديث» لمصطفى السحرتي عرض فيه لمذاهب النقد الفني والواقعي والفقهي، ولمقاييس النقد الفني للتجربة الشعرية، فتناول الصياغة، والأخيلة، والموسيقى، والأسلوب، والألفاظ، والوحدة الشعرية، والانفعالات، والفكر في الشعر... ثم تطرق إلى الشعر الرمزي، وتحدث عن بعض الكتب النقدية مثل «الديوان» للعقاد والمازني، و«على السفود» للرافعي و«حديث الأربعاء» لطه حسين و«في الميزان الجديد» لمندور، كما تعرض لبعض الشعراء المعاصرين في ضوء المذاهب الأدبية والنقدية والاتباعية والإبداعية والواقعية مستهدفاً نهوض الأدب المعاصر وإنصاف الموهوبين لا انتقاصهم، وشمولية النظرة إلى العمل الأدبي والعناية بالتيارات الجديدة مثل الرمزية symbolisme والسريالية surréalisme والواقعية réalisme.
أما سائر الكتب النقدية التي يصعب إحصاؤها فيمكن ردها إلى التأثر ببعض المناهج والاتجاهات السابقة وإن تنوعت ميادينها وآفاقها.
وقد دفعت حركة الشعر الجديد شعر التفعيلة إلى إنشاء نقد يسوغها ويتابع جديدها ويبين ما في صورها ولغتها من حداثة يعاد تأصيلها في ماضي الشعر العربي ومن أبرز الكتب التي ظهرت في مصر حول هذه الحركة كتاب محمد النويهي «قضية الشعر الجديد». وقد لقيت هذه الحركة متابعات واسعة في مختلف أقطار الوطن العربي.
ومن جهة أخرى فإن ازدهار الرواية أنشأ هو الآخر حركة نقدية حولها أخذت تتسع منذ الستينات. وكان للترجمة وللاطلاع الواسعين على المناهج النقدية الجديدة في الغرب في النصف الثاني من القرن العشرين آثار كبيرة في استخدام تلك المناهج واقعية اشتراكية - بنيوية - تفكيكية.. إلى آخره في نقد النتاج العربي الجديد فكثرت الكتب الموضوعة حول ذلك إذ طبقت المناهج المذكورة على هذا النتاج الجديد بنجاح أو إخفاق، كما وضعت الكتب التي تعرف بهذه المناهج مستنسخة إياها من مصادرها الأوربية بتعديل أو من دون تعديل.
وبالمقابل ظهرت حركة تحتفي بإحياء نظريات النقد العربي القديم ومناهجه وخصوصاً منهج الجرجاني، وكتبت في ذلك كتب تؤرخ لتلك المناهج وتقارن بينها وبين المناهج الغربية.
ومن أهم أسماء النقاد الذين ظهروا في النصف الثاني من القرن العشرين: لويس عوض وغالي شكري ومحمود أمين العالم ومحمد أحمد عطية من مصر،ومحمد برادة ومحمد بنيس من المغرب، وإحسان عباس من فلسطين، وناصر الدين الأسد من الأردن، ومحمد كامل الخطيب ومحي الدين صبحي وجمال باروت وغيرهم من سورية، وحسين مروة وغيره من لبنان.
ولا يخلو قطر عربي من نقاد متابعين - في الصحف والمجلات أو الكتب - لأغلب مايصدر من أعمال متنوعة على كثرتها، وتشكل نتاجات أساتذة الجامعات وأطروحات الماجستير والدكتوراه كتباً نقدية لا يمكن إغفالها كما لا يمكن حصرها وحصر أسماء أصحابها لكثرتهم وكثرة نتاجهم على أهميته.
على أن الحركة النقدية العربية إجمالاً لا تزال بعيدة عن استنباط مناهج جديدة تلائم ما للغة العربية وأساليبها التعبيرية من خصوصية، وما للثقافة العربية الموروثة من سمات تتجلى - ضرورة - في النتاج الجديد معبرة عن استمرار روحية هذه الثقافة وفعلها الحي في الأدب العربي المعاصر.
تطور النثر العربي الحديث وأساليبه: يتضح مما تقدم أن أنواعاً نثرية جديدة ظهرت في الأدب العربي الحديث لم تكن معروفة على هذا النحو من قبل، وهي: المقالة - القصة - الرواية - المسرحية - السيرة، وأن الكتاب تناولوا في هذه الفنون موضوعات جديدة اقتضاها العصر الحديث منها: الموضوعات الاجتماعية والسياسية والقومية خاصة. وأن أساليب الكتاب في كل منها ظل متسماً بالطابع الأدبي الصرف على الرغم من التأثر بأسلوب الصحافة من حيث المرونة والبعد عن التكلف والمحسنات البديعية كما كان شائعاً قبل القرن التاسع عشر.
وفي إطار الحديث عن النثر تذكر الأبحاث الفكرية التي تتناول قضايا التراث وإعادة قراءته وقضايا العصر العالمية والقومية والمحلية، إضافة إلى قضايا العلوم المعاصرة.. وما إلى ذلك.
وقد كان للاستعمار ثم للتبعية الاقتصادية في الوطن العربي آثار مهمة في دفع الكتاب جميعاً للإسهام بأعمالهم الأدبية والفكرية - في الدعوة إلى التحرر والوحدة القومية ومحاربة الظلم ودفع الاستبداد في المراحل المختلفة من القرنين التاسع عشر والعشرين.
لقد عالج الكتاب مشكلات مجتمعاتهم العربية وأمتهم على اختلافها وتنوعها ونبهوا إلى المفاسد العامة الناجمة عنها ودعوا إلى الإصلاح أوالثورة، كل بحسب اتجاهه ورأيه. وفي مقدمة المشكلات التي تطرق إليها الكتاب هنا: الفقر والجهل وتحرر المرأة الذي لقي عناية خاصة هدفت إلى إطلاق طاقات «نصف المجتمع» وزجها في المعركة القومية التحررية الحضارية.
وطبيعي أن تكون أساليبهم طيعة لينة يستطيع جميع المعلمين أن يتلقوا ما فيها بيسر ووضوح. وكانت الصحافة هي الميدان الأكثر رحابة لعرض المشكلات وإبداء الرأي فيها، وكان لذلك أهم الأثر في الليونة والتطويع المذكورين.
أما الأبحاث الفكرية على اختلافها فهي - ضرورة - موجهة لذوي الثقافة العالمية وللمهتمين أو المتخصصين. ولذلك فهي تلتزم حدوداً من أساليب التعبير لا يمكنها النزول دونها.
وفي الموضوعات الأدبية الصرف اتسعت تجارب الكتاب الإنسانية فتنوعت المضامين تبعاً لها. فإلى جانب الأغراض القديمة كثرت العناية بالوصف، وبوصف الطبيعة خاصة، والإعراب عن المشاعر النفسية المختلفة تجاهها من حزن وفرح وتشاؤم وتفاؤل مع مزج ذلك كله بوصف الطبيعة أحياناً كما يفعل الإبداعيون. وقد عني كثير من الأدباء بالتعبير عن موضوعات إنسانية وفلسفية عامة متأثرين بما اطلعوا عليه من ثقافات وآداب غربية، وبرز ذلك عند أدباء المهجر أكثر من سواهم.
ولئن كانت الموضوعات الاجتماعية والسياسية والقومية تقتضي العناية بالمعنى أكثر من الأسلوب فإن تلك الموضوعات الأدبية تمتاز بعنايتها بالأسلوب إلى جانب المعنى. فالألفاظ فيها أنيقة مختارة، والعبارات موشحة بالأخيلة والصور ومحلاة بالتوازن أحياناً أو ببعض السجعات العرضية، مع شيء من الاقتباس والتضمين أحياناً أخرى.
وإلى جانب ذلك برز عنصر اللغة العصرية الغنية بمفرداتها، وبمرونة استجابتها للصياغة والقوالب الفنية الجديدة التي اقتضاها تطور العصر ومستحدثات الحضارة. ودارت حول اللغة مناقشات نقدية كثيرة اختلفت فيها وجهات النظر بين الجديد والقديم، وتبعاً لهذا الاختلاف تنوعت طرائق تعبير الكتاب تنوعاً واسعاً حتى كاد يكون لكل كاتب «لغته» ومفرداته، ومن ثم أسلوبه الخاص المتميز به من غيره. وهكذا ارتقى النثر الأدبي العربي الجديد وأضحى عالمياً وترجم كثير منه إلى لغات العالم الحية المختلفة.
 

 







   رد مع اقتباس

قديم May 31, 2010, 10:43 AM   رقم المشاركة : 5
معلومات العضو






^كــاتم أســرار^ غير متواجد حالياً


الشعر
فنونه وتطوره:
ظل الشعر في أوائل القرن التاسع عشر مثلما كان عليه عند أكثر شعراء عصور الدول المتتابعة من صنعة وتكلف، وظلت أغراضه هي جملة الأغراض التقليدية من مديح وهجاء وغزل ورثاء ووصف إضافة إلى الإخوانيات. وظلت الشكلية اللفظية هي السائدة إضافة إلى ما عرف في «عصر الانحطاط» من كثرة الاقتباس والتضمين، أو التخميس والتشطير لقصائد معروفة.
وتبدأ بوادر نهضة الشعر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ثم تتسع في أوائل القرن العشرين.
وعرفت هذه المرحلة باسم «مرحلة الإحياء» حين أعيد للشعر العمودي إشراقه ورونقه، وللصياغة قوتها وإحكامها، وبعثت فيه الروح من جديد على أيدي بعض الشعراء كان في مقدمتهم محمود سامي البارودي الذي كان تجديده مرتبطاً بالأسس الشعرية القديمة.
وتلا البارودي نفر من الشعراء البناة، في مصر والشام والعراق خاصة، كان منهم: إسماعيل صبري وأحمد شوقي، وحافظ إبراهيم وخليل مطران، ومعروف الرصافي وجميل صدقي الزهاوي، وتابع خطا هؤلاء نفر آخر من الشعراء البارزين أمثال: محمد البزم، وخليل مردم، وشفيق جبري، ومحمد سليمان الأحمد (بدوي الجبل)، وخير الدين الزركلي، وسواهم. وقد أعقبت مرحلة البناء هذه مرحلتان من التجديد تمتد الأولى مابين نهاية الحرب العالمية الأولى وأوائل الخمسينات، وتمتد الثانية منذ الخمسينات حتى اليوم. وسيرد التفصيل فيهما لاحقاً.
وظهرت في الشعر العربي في العصر الحديث بعض الفنون الشعرية التي لم تكن معروفة قديماً وهي:
الشعر المسرحي: نظم الشعراء الشعر المسرحي poésie dramatique بعد اطلاعهم على مسرحيات فرنسية وإنكليزية مثل مسرحيات شكسبير وموليير وكورني وراسين. ويكاد الباحثون يجمعون على أن أقدم مسرحية شعرية عربية هي «المروءة والوفاء» لخليل اليازجي، ظهرت عام 1876. وأشهر شعراء المسرحية وأولهم أحمد شوقي. وقد نظم مسرحية «علي بك الكبير» عام 1893 حين كان في باريس لكنه لم يرض عنها فلم ينشرها. ثم نظم مسرحية «دل ويتمان» عام 1899، وبعدها «ورقة الآس» التي نشرها في جريدة الأهرام عام 1904. ثم انقطع بعدها عن نظم المسرحيات حتى عام 1927 - عام منحه لقب أمير الشعراء - فنظم فصلاً من «مصرع كليوباترا» وأتمها عام 1929 وتابع بعدها نشر عدة مسرحيات حتى وفاته سنة 1932 هي:
«قمبيز» و«مجنون ليلى» و«علي بك الكبير» و«عنترة» و«الست هدى» وكلها مآس مستوحاة من التاريخ عموماً ما عدا الأخيرة، فهي ملهاة اجتماعية.
ويلي شوقي عزيز أباظة [ر] الذي نظم على غراره مسرحيات كثيرة منها «العباسة أخت الرشيد و»عبد الرحمن الناصر» و«شهريار» و«شجرة الدر» و«غروب الأندلس». وجرب علي أحمد باكثير أن ينظم بعض المسرحيات بالشعر المرسل - كما فعل شكسبير - مثل «أخناتون» و«نفرتيتي» ولكنها لم تلق نجاحاً فعدل عنها ونظم مسرحية «قصر الهودج» على طريقة شوقي وأباظة. وتابع هؤلاء عدنان مردم في سورية فنظم بين عامي 1967 و1986 بضع عشرة مسرحية كلها مأساوية، عدا «المغفل» و«القزم» فهما ملهاتان. وقد استوحى بعض مسرحياته أو بعض شخصياتها من التاريخ العربي القديم ومنها «الملكة زنوبيا» و«الحلاج» و«رابعة العدوية» و«مصرع غرناطة»، وبعضها الآخر من الأحداث القومية المعاصرة مثل «فلسطين الثائرة» و«دير ياسين». وربما كانت مسرحية «مأساة الحلاج» للشاعر صلاح عبد الصبور واحدة من أجمل المسرحيات المكتوبة شعراً وأرقاها وقد كتبها صاحبها بالشعر الحر.
ومما لا ريب فيه أن المسرحية الشعرية لم يعد لها مكان في العصر الحاضر لأن التمثيل عامة يحاول التعبير عن مشكلات الحياة العادية، أي محاكاة الواقع، والأمر الذي يقتضي أن تكون لغته وطريقة كتابته وأدائه مشاكلتين لتلك المشكلات الواقعية.
الشعر القصصي: كثر إقبال الشعراء على نظم الشعر القصصي poésie narrative في العصر الحديث، وتنوعت موضوعاته، فكان منها التاريخي والديني والأدبي، من ذلك ما نظمه خالد الجرنوسي لبعض قصص القرآن في ديوانه «اليواقيت»، وعبد الرحمن شكري في قصة «النعمان ويوم بؤسه»، وأحمد عبد المعطي حجازي في «مذبحة القلعة»، وعمر أبو ريشة في «كأس» عن ديك الجن الحمصي. ونظم بعض الشعراء القصص الوعظية التعليمية على لسان الحيوان، أو الحيوان والإنسان، وتستهدف هذه مغزى سياسياً أو خلقياً أو إنسانياً كما فعل شوقي في الجزء الرابع من ديوانه «الشوقيات». ونظم بعضهم قصصاً تناولت بعض القضايا الاجتماعية مثل «الريال المزيف» لكل من طانيوس عبده وبشارة الخوري (الأخطل الصغير). واتجه بعضهم إلى نظم موضوعات وطنية في قصص شعرية مثل خليل مطران في «فتاة الجبل الأسود» و«مقتل بزرجمهر». ومن هؤلاء خير الدين الزركلي في «العذراء» عن قصة دخول المستعمر الفرنسي إلى سورية واستشهاد يوسف العظمة. ومنهم صلاح عبد الصبور في «شنق زهران» عن حادثة دنشواي. إلى غير هذا من غزارة شعرية قصصية. وكانت لغة هؤلاء الشعراء مرنة طيعة في القصص إذ استطاعوا أن يوفقوا بين فني القصة والشعر. على أن ما نظم من القصص بالشعر الحر أكثر طواعية لتصوير المواقف والأحداث ورسم الشخصيات، لمايتمتع به من حرية في توزيع التفعيلات مما يمكن من تحقيق الوحدة العضوية المناسبة للقصة.
الشعر الملحمي: لم ينظم الشعراء العرب الشعر الملحمي poesie epique بالمعنى الدقيق المعروف عند الغربيين، ولاسيما عند اليونانيين مثل «الإلياذة» و«الأوديسة» لهوميروس أو «الإنيادة» لفرجيليوس بل نظموا ما هو أشبه بالملاحم. وهي مطولات توافرت فيها بعض شروط الملحمة كعنصر القص والتاريخ والأسطورة أحياناً من دون سائر الشروط الملحمية من تصوير الوقائع البطولية الخارقة في سيرة شخص أو تاريخ أمة. ومن هذه المطولات التي سميت ملاحم: ملحمة «عيد الغدير» للشاعر اللبناني بولس سلامة، و«الملحمة الإسلامية» لأحمد محرم. وقد سميت مطولة الشاعر المهجري الجنوبي فوزي معلوف [ر] «على بساط الريح» ملحمة، وما هي سوى رحلة خيالية إلى العالم العلوي، وكذا مطولة «عبقر» لأخيه شفيق معلوف التي هي رحلة خيالية إلى وادي عبقر بصحبة شيطانه دليلاً يطوف به في ذلك الوادي الذي هو رمز لمصدرية الإلهام الشعري في الذهن العربي القديم. وهذه المطولة يرمز فيها صاحبها إلى الحياة الدنيوية المملوءة بالشرور والآثام جاعلاً من الحب - في النهاية - علاجاً لها كلها.
لقد طور شعراء التفعيلة الشعر الحر مفهوماً جديداً لما سمي الشعر الملحمي. وهذا المفهوم يعني بدوره مطولات تصور أوضاعاً عامة يعيشها الشعب أو الأمة منظوراً إليها من الأفق الخاص للشاعر إذ تمتزج تجاربه الذاتية بالبيئة وأحداثها وبالأساطير وحكايات البطولات الفردية والعامة والأسطورية، مستخدمة كلها في إلماحات خاصة يستند فيها الشاعر على ذاكرته الثقافية والحكائية مع نقل ذك كله دليلاً من الخاص إلى العام فيتم الإفصاح عن حقائق مجتمعية وإنسانية وكونية في وقت واحد، وفي برهة من برهات علاقات الشاعر بأوضاع مجتمعه وعصره.
ولعل أول من كتب مثل هذا النوع من الشعر الملحمي وأكثر شعرائه شهرة هو بدر شاكر السياب من العراق في قصائد عدة منها «أنشودة المطر» و«المومس العمياء». أما خليل حاوي من لبنان فقد أبدع عدداً من قصائده الشهيرة المنتمية إلى هذا النمط مثل «قيامة إليعازر» و«رحلة السندباد الثامنة». ويعد أدونيس من أكثر شعراء الشعر الملحمي شهرة وهو الذي قدم الرؤية النظرية لهذا النمط في كتابه «زمن الشعر»، ومن قصائده «تحولات الصقر» و«إسماعيل» و«أحوال ثمود» وسواها الكثير. ولا يقل محمود درويش شهرة عن أدونيس في كتابة هذا النمط من القصيدة إذ تمتزج الغنائية لديه بما سبق ذكره من سمات سابقة. ومعظم مجموعاته التالية لمجموعة «أحبك أو لا أحبك» حافلة بهذا النوع من القصائد. ويعد الشاعر محمد عمران واحداً من أبرز من كتبوا هذا الشعر الملحمي في سورية، ومن أهم أعماله «مراثي بني هلال» وديوانه «كتاب الملاجة» وقصيدته «شاهين» التي تحكي قصة أحد الفلاحين المتمردين على الإقطاع وعلى الاستعمار الفرنسي معاً.
الشعر الغنائي أو الوجداني: يدخل ضمن الشعر الغنائي poésie lyrique معظم ما أثر عن الشعراء العرب القدامى والمعاصرين، لأن بواعثه تتصل بوجدان الشاعر، وهو المحرض الرئيس لعملية الإبداع الشعري. وإذا كانت حركة الإحياء وأعلامها في مختلف الأقطار العربية تنتمي إلى الاتباعية (الكلاسيكية)، فإن كثيرين من رواد الإحياء حاولوا التجديد بعد الاطلاع على الشعر الغربي فكانت هناك اتباعية جديدة تختلط بنفحات إبداعية (رومانسية)، حتى إن هذه النفحات لتتغلب على الجوانب الاتباعية.
وقد بدأ الشعراء تطوير الشعر الغنائي العربي وتجديده منذ محمود سامي البارودي - كما تقدم - لكن جهودهم في ذلك اتجهت إلى النواحي الفنية فكانوا يولون اهتماماً كبيراً للصياغة القديمة في معالجة الموضوعات الجديدة مثل القضايا القومية، والاجتماعية، والتأملية. ومن أبرز شعراء الإحياء وأكثرهم شهرة أحمد شوقي، وحافظ إبراهيم الذي اشتهر بأشعاره الرثائية وبأنه «شاعرالشعب» لمنافسته أحمد شوقي على شهرته، ولارتباط شوقي بالقصر الملكي مقابل ارتباط حافظ بالشعب وقضاياه، وكلاهما من القطر المصري.
وفي ليبية اشتهر من شعراء الإحياء سليمان الباروني وإبراهيم الأسطة عمر. وفي تونس برز اسم محمود بيرم التونسي، كما برز في الجزائر اسم ابن باديس ومحمد العيد خليفة ومفدي زكريا وغيرهم. أما في المغرب فتبرز أسماء مصطفى المعداوي ومحمد الحبيب الفرقاني وغيرهما. وفي السودان برز اسم الشاعر التيجاني بشير. وقد تميزت قصائد هؤلاء الشعراء على اختلاف أقطارهم، بالتزامها الشكل القديم للقصيدة، وبكونها صرخات احتجاج على الاستعمار الإيطالي والفرنسي والإنكليزي، وصرخات احتجاج على واقع الحياة المعيشية للشعب وما يعانيه من ظلم وقسوة ومرارة في ظل سيطرة المستعمرين وأعوانهم في الداخل.
وفي العراق يبرز اسم الشاعر عبد الغفار الأخرس بصفته أهم الشعراء الإحيائيين هناك. أما في السعودية فيبرز اسم محمد بن عبد الله العثيمين، وفي الكويت اسم الشاعر فهد العسكر، وفي شمال اليمن أسماء: محمد محمود الزبيري، وإبراهيم الحضراني، وأحمد الشامي، ويناظرهم في الجنوب اليمني محمد سعيد جرادة.
ومن أهم شعراء البحرين الشاعر إبراهيم العريض الذي امتزج عنده الإحياء بتجديد يحتفي كثيراً بالنفحات الرومانسية.
ولعل أكثر المجددين شهرة في إطار القصيدة الكلاسيكية على امتداد الوطن العربي، خليل مطران، وبشارة الخوري (الأخطل الصغير) من لبنان وعمر أبو ريشة ومحمد سليمان الأحمد (بدوي الجبل) ونديم محمد من سورية، وعلي محمود طه ومحمود حسن إسماعيل، وأسماء أخرى سترد لاحقاً، من مصر، وأبو القاسم الشابي من تونس، إضافة إلى كثير من الشعراء المهجريين, ويقع هذا التجديد في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى حتى ابتداء الخمسينات.
وكان التجديد عموماً يتم بمبادرة ذاتية، لكن بعض الشعراء أخذوا يتكاتفون ويؤلفون التجمعات الأدبية للإسهام في دفع حركة الشعر العربي وتطويره. ومن هذه التجمعات أربعة:
1- مدرسة الديوان التي قامت في مصر عام 1921 على أيدي عباس محمود العقاد، وإبراهيم عبد القادر المازني، وعبد الرحمن شكري. وهؤلاء تأثروا بالشعر الإنكليزي وخاصة بمجموعة «الكنز الذهبي» التي تضم بعض قصائد الشعر الغنائي منذ عصر شكسبير حتى نهاية القرن التاسع عشر. وقد انفصل شكري عن زميليه لخلاف نشب بينهم. وبقي الأولان اللذان أعربا في كتاب «الديوان» عن ضرورة تطوير الشعر العربي وتجديده. وامتاز مذهبهما - كما قالا - بأنه إنساني مصري عربي، وإنه ثمرة لقاح القرائح الإنسانية عامة. وقد فصل العقاد أسس هذا التجديد فأراد للشاعر أن يعبر بصدق عن مزاجه وشخصيته ونظرته إلى الحياة وتفسيره لها، وأن تكون القصيدة مترابطة عضوياً «كما يكمل التمثال بأعضائه، والصورة بأجزائها، واللحن الموسيقي بأنغامه، بحيث لو اختلف الوضع أو تغيرت النسبة أخل ذلك بوحدة الصنعة وأفسدها». وقال أيضاً: «القصيدة الشعرية كالجسم الحي يقوم كل قسم منها مقام جهاز من أجهزته» وعلى الشاعر أن «يكتنه حقائق الحياة ويلتزمها في غير شطط ولا إحالة وأن يغوص على جوهرها» وأن «تؤلف الصورة البيانية لنقل الأثر النفسي للمشبه به من وجدان الشاعر إلى وجدان القارئ، لا أن تقف عند حدود الحواس الخارجية». وقد طبق العقاد هذه المبادئ علىشعر شوقي ونقده نقداً لاذعاً، واتهمه بالإحالة - وهي المبالغة لدرجة إفساد المعنى - ومخالفة الحقائق والولوع بالعرض دون الجوهر. واضطلع المازني بنقد حافظ إبراهيم ووسم شعره بأنه «سياسي أو صحفي» إذ هو شعر مناسبات يومية طارئة، وأنه بعيد عن الصدق.
وانطلاقاً من هذه الأسس حاول العقاد أن يجدد في ديوانيه «هدية الكروان» المطبوع عام 1933 و«لا عابر سبيل» المطبوع عام 1937. لكن تجديده عموماً كان في محاولته مراعاة الوحدة العضوية في القصيدة إلى جانب وحدة الموضوع، وإلى حد ما: التجديد في شكل القصيدة لا في اكتناه حقائق الحياة والغوص على جوهرها - كما أراد هو لشوقي - وإن كان مفهومه للوحدة العضوية يختلف عما سيكون لاحقاً عند أصحاب الشعر الحر.
والواقع أن هذه الحركة التجديدية لم تبلغ مدى واسعاً يصح معه أن تسمى مدرسة بالمعنى الصحيح المعروف للكلمة في المدارس الغربية، كما لم يكن لها أتباع يسيرون على هديها فهي لا تعدو أن تكون تجمعاً أدبياً محدوداً انفرط عقده بعد مدة وجيزة.
2- أما التجمع الثاني فهو «الرابطة القلمية»، ففي الوقت الذي ظهر فيه «الديوان» كانت فئة من المهجريين الشماليين تنادي بتجديد الشعر. وكان هذا في كتاب «الغربال» الذي ضمنه ميخائيل نعيمة مبادئ جمعية «الرابطة القلمية» المتأسسة في نيويورك عام 1920، ومقاييسها الأدبية، وغايتها التي هي الصدق في التعبير و«بث روح نشيطة في جسم الأدب العربي، والخروج بآدابنا من دور الجمود والتقليد إلى دور الابتكار في جميل الأساليب والمعاني».
وقد تأثر أعضاء هذه الرابطة كذلك بالأدب الإنكليزي والأمريكي وخاصة بما جاء به الشاعر والت ويتمان W.Whitman وخطا هؤلاء خطوة واسعة في تجديد موضوعات الشعر وشكله في آن واحد، واستعاروا بعض الأطر من الشعر الغربي، واستعملوا الموشحات والمخمسات والشعر المرسل vers blancs والشعر المنثور. ويبدو التجديد عند نعيمة في ديوانه «همس الجفون» وعند إيليا أبو ماضي في «الأعمال الكاملة» وعند نسيب عريضة في ديوانه «الأرواح الحائرة» وعند رشيد أيوب في ديوانيه «أغاني الدرويش» و«هي الدنيا» وعند جبران في «المواكب» وغيرهم. ومع ذلك فقد ظل تجديدهم في الأوزان - إلا ما ندر - ضمن حدود العروض والبحور الخليلية المعروفة، وإن كان من الجائز أن يعد نسيب عريضة واضع أول بذرة من بذور الشعر الحر في قصيدته «النهاية». أما تجديدهم في المضمون، فإنه قد كان لهم الفضل في نظم الشعر التأملي والشعر الإنساني، وأكثروا من نظم شعر الحنين إلى الوطن لشعورهم بالغربتين: الوطنية والنفسية. وفضلاً عن ذلك تساهلوا في اللغة الشعرية، واستعملوا بعض الألفاظ العامية أحياناً، وجددوا - وخاصة أبو ماضي - في الكلمة الشعرية، وجعلوها تتسع لمضامين الحياة الاجتماعية والفكرية، وللمشاكل النفسية، من دون أن تخرج من إطار البساطة والوضوح. ونادوا كذلك بوحدة القصيدة لكنهم عنوا بها تجنب الخلخلة في أبياتها، والتعدد في أغراضها. وكتب بعضهم الشعر المنثور وهو المتحرر من قيود الأبحر العروضية كما في بعض ما ورد عند جبران في كتابه «رمل وزبد»، وإن سبقه إلى ذلك أمين الريحاني الذي يعد من شعراء المهجر الشمالي - لكنه لم ينتم إلى الرابطة القلمية - وقد بدا تجديده في أطر استعارها من الشعر الغربي وبث شعره المنثور في كتابه «الريحانيات» ثم جمعه أخوه ألبرت مستقلاً في كتاب «هتاف الأودية».
3- وأما التجمع الثالث فهو «جمعية أبولو» التي أسست عام 1932 بجهود أمين سرها أحمد زكي أبي شادي، ورُئِّس عليها أستاذه خليل مطران،وكان من أبرز أعضائها أحمد محرم وحسن كامل الصيرفي وعلي محمود طه [ر] وإبراهيم ناجي [ر] وأبو القاسم الشابي وغيرهم.
وتتلخص أهدافها في السمو بالشعر العربي، ومناصرة نهضاته الفنية، ولكن من دون الالتزام باتجاه معين، فلكل عضو الحرية في التعبير عن الموضوع الذي يريد بالأسلوب الذي يرتضيه. وقد تأثر أعضاؤها - كمن سبقهم - بالشعر الغربي: الفرنسي والإنكليزي، ولاسيما الإبداعي منه، لكنهم كانوا كذلك همزة وصل بين الشعر العربي والمذاهب الغربية من واقعية وإبداعية ورمزية، إذ يرجع الفضل إليهم في اطلاع العرب عليها في مجلتهم «أبولو». وقد تجلى تجديدهم في الشكل والمضمون كما عند أبي شادي في دواوينه «أنداء الفجر» و«أطياف الربيع» و«الشفق الباكي» التي اشتمل بعضها على الشعر المرسل. وعند إبراهيم ناجي في ديوانيه «ليالي القاهرة» و«وراء الغمام»، وعند علي محمود طه في دواوينه «الملاح التائه» و«زهر وخمر» و«ليالي الملاح التائه» و«أرواح شاردة»، وكما عند أبي القاسم الشابي في ديوانه «أغاني الحياة»، وحسن كامل الصيرفي في ديوانه «صدى ونور ودموع».
وقد توخى معظم شعراء «أبولو» جعل الصلة محكمة بين أجزاء القصيدة لتحقيق وحدة الموضوع ووحدة الفكر ووحدة المشاعرفي آن واحد، ولعل رئيسهم مطران هو أول من نبه على هذه الوحدة في مقدمة ديوانه الذي طبع عام 1890.
4- وأما التجمع الرابع فهو «العصبة الأندلسية». والواقع هو أن هذا التجمع كان واحداً من عدة تجمعات أدبية في المهجر الجنوبي، وكان أشهرها وأهمها. ففي البرازيل أسس قيصر المعلوف «رواق المعري» وفي الأرجنتين تأسست «الرابطة الأدبية» عام 1949 وتولى أعمالها جورج صيدح. أما «العصبة الأندلسية» فقد أسسها أدباء عدة عام 1933 ورأسها ميشيل المعلوف.
وأهداف هذه الجمعيات كلها متفقة على ضرورة تجديد الشعر، ولكن أدومها وأنشطها «العصبة الأندلسية» وكان من أعضائها حبيب مسعود، ورشيد سليم الخوري (الشاعر القروي) وأخوه قيصر، وشفيق المعلوف وإلياس فرحات ونصر وسمعان ورياض المعلوف. وكانت مجلتهم «العصبة» مسرحاً لنشاطهم الأدبي وأوجدوا الصلات القلمية بينهم وبين سائر أندية الأدب العربي، ولكنهم أجمعوا على ترسم أساليب الفصحى فلم يضحوا بها في سبيل التجديد - كما فعل أكثر أعضاء الرابطة القلمية - وقد وقفوا معظم شعرهم على القضايا القومية وخاصة قضية فلسطين كما في شعر القروي وفرحات وأبدعوا في الحنين إلى الوطن، إلى جانب الشعر الإنساني والتأملي، ودعا بعضهم دعوة شبه عقائدية إلى التمسك بحقوق الإنسان واحترامه بصرف النظر عن جنسه ولونه ووطنه، وكان تجديدهم في الأوزان والقوافي محدوداً. إن هذه التجمعات تعكس صورة لمستويات من التأثر بالشعر الغربي عموماً، والإبداعي منه خصوصاً، وفي مجريات تطور الشعر العربي بعد مرحلة الإحياء الأولى أو المرحلة الاتباعية، مثلما تبين بقاء هذا التأثر ضمن إطار الأشكال الفنية الشعرية المتوارثة إلا ما ندر. وبهذا المعنى سبق الحديث عن اتباعية جديدة، مطعمة بنفحات إبداعية بهذه الدرجة أو تلك اصطبغت بصبغتها حركة الشعر العربي منذ مستهل العشرينات حتى مستهل الخمسينات.
وإذا كان هذا التطور قد مهد للنقلة الواسعة التي حدثت في الشعر العربي في النصف الثاني من القرن العشرين أي لولادة الشعر الحر، فإن كثيرين من الشعراء العرب لا يزالون يكتبون القصيدة الاتباعية الجديدة، وبعضهم يكتب إلى جانبها قصيدة «الشعر الحر» أو «شعر التفعيلة». ومن أشهر هؤلاء الشعراء: عبد الله البردوني من اليمن، ونزار قباني وسليمان العيسى وحامد حسن من سورية، ونجيب جمال الدين وغسان مطر من لبنان، ويوسف الخطيب من فلسطين، ومصطفى جمال الدين من العراق، والشاعر المهجري اللبناني زكي قنصل، ومانع سعيد العتيبة من الإمارات العربية المتحدة وغيرهم كثيرون.
الشعر الحر أو شعر التفعيلة: من المؤكد أن أهم نقلة تطورية للقصيدة العربية في العصر الحديث قد حدثت مع ولادة قصيدة «الشعر الحر» أو «قصيدة التفعيلة» بحسب أكثر التسميات شيوعاً. وهاتان التسميتان يرتبط منطوقهما بالتجديد على مستوى الشكل، ولكن الواقع أن التجديد قد شمل المجموع البنائي للقصيدة العربية، شكلاً ومضموناً، ولغة، وأسلوب تصوير وترميز، ومحتوىً دلالياً، ووحدة بنيان فني إجمالي.
وهذا النمط من القصيدة العربية يعتمد صيغاً من الإيقاع إذ يختلف عدد التفعيلات بين بيت وآخر بحسب احتياج الدفقات الشعورية واللاشعورية، والانفعالية والوجدانية، وبحسب مقتضيات التعبير عن حال عاطفية داخلية أو بعض منها، وبالتالي لم يعد الشاعر ملتزماً قافية واحدة أو روياً واحداً يتكرر أو يتنوع بحسب نظام معين، بل عوض عن ذلك بالإيقاع الداخلي وبرنين القافية التي تراعى في بعض الأبيات. ومن جهة أخرى لم يعد الشاعر يقصر التصوير البياني على أشكاله القديمة التي تظهر فيها كل صورة مستقلة بذاتها ومعبرة عن فكرة محددة، بل تدرج في اعتماد نمط من التصوير المتداخل المتشابك التدفق الذي يقود إلى صوغ «مشهد حركي» - كما في التصوير السينمائي، على سبيل التقريب - يعبر عن «حال شعرية» تُستشف منها دلالات متنوعة لا أفكار ثابتة، وتترابط المشاهد المتوالية في بنيان شعري متكامل يشكل المجموع الكلي للقصيدة التي تعكس «تجربة» ذاتية للشاعر في تمثله الفكري والانفعالي والوجداني لبرهة من سياق الحياة في مكان وزمان معينين، ولكن في إطار من التضافر الدلالي بين الخاص والعام وبين الجزئي والكلي، وبين الذاتي والموضوعي، وبين الآني والمطلق.
وقد عرف هذا النمط من القصيدة، أول الأمر، باسم «الشعر الحر» ثم عرف باسم «شعر التفعيلة»، كما دعي باسم «الشعر الحديث» ولكن هذه التسمية تبدو فضفاضة ومطاطة.
ولقد اختلف الباحثون في تاريخ باكورة هذا الشعر وفي رواده، فأرجعه بعضهم إلى الموشحات التي حاول ابن خلدون أن يحصي أوزانها فلم يستطع لخروجها عن الحصر. وأرجعه بعضهم إلى العقد الثاني من القرن العشرين، وتحديداً إلى قصيدة «النهاية» لنسيب عريضة التي نظمت في الحرب العالمية الأولى متأثراً بما نجم عنها لشعبه من كوارث وضحايا. ولكن نازك الملائكة تذكر في كتابها «قضايا الشعر المعاصر» أنها هي أول من نظم بهذا الشعر قصيدتها «الكوليرا» في 27/10/1947 ونشرتها لها مجلة «العروبة» اللبنانية في بيروت يوم 1/12/1947، وقد عبرت فيها عن حزنها لضحايا مصر حين اجتاحها وباء الكوليرا، كما تذكر أن قصيدتها أسبق من قصيدة بدر شاكر السياب «هل كان حباً» الذي يعده كثير من الباحثين الرائد الأول. وقد أثبتت في كتابها المذكور أنها سبقته إلى نشر قصيدتها بنحو شهر وعشرين يوماً مع أن قصيدة السياب أرخت في ديوانه في 29/11/1946.
والواقع أنه لا يمكن التثبت من الأسبق إلى نظم هذا الشعر على وجه الدقة والتحديد، فضلاً عن أن هذا لا يقدم شيئاً ولا يؤخر. ولكن من المحقق أن هؤلاء الشعراء جميعاً، ومن جاء بعدهم، تأثروا بالشعر الغربي الحديث على نحو مباشر أو غير مباشر، وقد صرح بهذا كل من نازك والسياب، وأعادا بعض قصائدهما إلى تأثرهما بقصائد معينة لشعراء إنكليز مثل شيلي Chelley (1792-1821) وكيتس Kaets (1795-1821) وإليوت Elliot (1888-1965) وسيتويل Sitwell (1887-1964)، وتأثر آخرون بشعراء أمريكيين وخاصة إزرابوند E.Pound، وآخرون بشعراء فرنسيين مثل جاك بريفير J.Prevert.
ويجمع هؤلاء الشعراء الإنكليز والأمريكيون والفرنسيون على أن مشكلات العصر الإنسانية الحديثة تتطلب أطراً جديدة، وأوزاناً جديدة للتعبير عنها، فضلاً عن السعي إلى وحدة القصيدة لا إلى وحدة البيت، وهذا ما نادى به رواد الشعر العربي الحر. والملاحظ أن أكثر الشعراء العرب الذين نظموا هذا الشعر الجديد ونجحوا فيه هم ممن تمرسوا بنظم الشعر الخليلي، ومن أبرزهم نزار قباني، وعلي أحمد سعيد (أدونيس)، ومحمد عمران، وفايز خضور وأسماء أخرى كثيرة في سورية، وخليل حاوي وغسان مطر وإلياس لحود وغيرهم في لبنان، ومحمود درويش ومعين بسيسو وسميح القاسم وغيرهم من فلسطين، وتيسير سبول من الأردن، وعبد الوهاب البياتي وآخرون إضافة إلى السياب ونازك الملائكة في العراق، صلاح عبد الصبور وأمل دنقل، أحمد عبد المعطي حجازي وغيرهم في مصر، ومحمد الفيتوري في السودان، وقاسم حداد في البحرين، وأسماء كثيرة أخرى في مختلف أقطار الوطن العربي.
وإذا كان كثير من هؤلاء الشعراء قد تأثروا بالشعر الغربي، أو تأثروا بمن تأثر به بصورة مباشرة، فإنهم جميعاً قد ألحوا على تحقيق الوحدة العضوية في القصيدة بدلاً من وحدة البيت سابقاً. وقد تجددت لديهم لغة الشعر تجدداً عميقاً واعتمد كثير منهم على تضمين قصائدهم بعض الرموز الأسطورية والدينية والفولكلورية مثل: السندباد وشهريار وأيوب وأليعازر ويهوذا وعشتروت وأوديب وسيزيف وتموز وغيرها ليستعينوا بدلالاتها الموروثة على التعبير عن مشاعرهم بعمق ورحابة. وأسرف بعضهم قليلاً أو كثيراً في التأثر ببعض المذاهب الغربية كالرمزية والسريالية فوقع في الغموض حيناً وفي الإبهام أحياناً، ولكن ذلك لا يشكل ظاهرة طاغية الأثر على حركة التجديد هذه في مجملها.
قصيدة النثر: يعتمد هذا النمط من الكتابة على التعويض عن الإيقاع الموسيقي للشعر بموسيقى الكلام الداخلية وهذا ما يجعل من نصوص هذا النمط قريبة مما كان ينادي به أصحاب الدعوة إلى «الشعر الصافي». وقد سبق ذكر ما كان لكل من جبران خليل جبران وأمين الريحاني من سبق في كتابه الشعر المنثور.
على أن «قصيدة النثر» - حسبما درجت التسمية - قد تزامنت تقريباً مع قصيدة الشعر الحر أو شعر التفعيلة. وقد كتبت نصوصها، بداية، تحت تأثير ترجمات قصائد الشعراء الغربيين، وكانت بيروت منطلق هذا النمط من الكتابة منذ الخمسينات ومن أشهر كتابها: محمد الماغوط من سورية وشوقي أبو شقرا وأنسي الحاج من لبنان ولا يزال هذا النمط يزاول بوفرة من قبل الكثيرين من الأجيال التالية لجيل الستينات في مختلف أقطار الوطن العربي.
خلاصة في أطوار الشعر العربي الحديث:
سبقت الإشارة العرضية إلى هذه الأطوار في الفقرات السابقة، ويمكن العودة إلى ذلك هنا بقسط أكبر من التوضيح والتفصيل إذ تلاحظ الأطوار التالية:
1- طور الإحياء: وذلك برجوع الشعراء إلى تقليد ما كان عليه الشعر العربي في عصوره الذهبية المزدهرة، ولاسيما العصر العباسي، وتمثلهم لأساليبه وأخيلته، واقتفاؤهم آثاره في صياغة الصور البيانية والموسيقى الجزلة واللغة الفخمة.. وكان هذا يعني التخلي السريع عن المحسنات الشكلية في عصر الانحطاط. وهكذا كان شعراء الإحياء يعارضون القصائد المشهورة في الشعر القديم حيناً وينطلقون إلى التجديد في المعاني والمضامين أحياناً أخرى ولكن ضمن أطر الأوزان الشعرية القديمة. وقد سبق ذكر أبرز شعراء الإحياء الذين يوصفون عموماً بأنهم أصحاب «المدرسة التقليدية».
2- طور التأثر بشعر الحداثة الغربية: وضح مما تقدم أن الشعراء بعد الحرب العالمية الأولى أخذوا يتأثرون بالشعر الغربي - الفرنسي والإنكليزي، الرومانسي خاصة - إما مباشرة، وإما عن طريق من تأثر به أو ترجم عنه، وقد أسفر هذا التأثر، بصورة أساسية، عن اتجاه شعري جديد يمزج بين خصائص الكلاسيكية في الصياغة الشكلية وبين كثير من خصائص الإبداعية في المضمونات وأساليب التعبير ومفردات اللغة الشعرية والنبرة الانفعالية الوجدانية.. وبوجه عام يعرف هذا الاتجاه الجديد، تمييزاً له من سابقه، باسم «الاتباعية الجديدة» وأحياناً باسم «المرحلة الإبداعية»، مع الكثير من التجاوز في هذه التسمية بالطبع. وفي هذه المرحلة ظهرت بوادر تجديد تتضمن نظم الشعر المرسل والشعر المنثور كما فعل الريحاني وجبران وأحمد زكي أبو شادي.
3- طور تجاوز الشكل القديم ومرحلة الشعر الحر: فقد تحرر الشعراء من الأوزان الخليلية القديمة واعتمدوا التفعيلة الواحدة - وأحياناً الجملة الموسيقية الشعرية الواحدة التي تتضمن تفعيلتين - أساساً لمدى طول البيت الواحد، وتخلوا عن وحدة البيت لصالح وحدة «المقطع الشعري» إذ تؤلف الصور المتشابكة «مشهداً» حركياً يعكس حالاً انفعالية عاطفية أو جزءاً من حالة تتكامل في القصيدة كلها محققة وحدتها الموضوعية، فيترابط الشكل والمضمون ترابطاً صميمياً. وقد سلف تبيان معنى «الملحمية» في النماذج المميزة لقصيدة التفعيلة هذه.
4- قصيدة النثر: تمثل هذه «القصيدة» - إن صحت تسميتها كذلك - طوراً من أطوار الشعر العربي الحديث، ولكنها تمثل اتجاهاً محدوداً على هامش الطور السابق. وهذه القصيدة تتحرر من الوزن والموسيقى كلياً وتبقي على الموسيقى الداخلية للعبارات، وتكتفي بإنشاء «الحال الشعرية» في أحسن الأحوال، مما قد يوجد في كثير من أشكال التعبير النثرية، الأمر الذي يجعل كثيرين من النقاد لا يصنفون النصوص المكتوبة بهذه الطريقة مع الشعر.
نتيجة لما تقدم يمكن القول إن الشعر العربي الحديث تأثر ببعض المذاهب الشعرية الغربية في الأطوار الثلاثة الأخيرة السابق ذكرها، ولكن لا يصح القول - على القطع - بأنه ظهرت فيه مدارس أو مذاهب أدبية كتلك التي عرفتها الآداب الغربية، وما سبق إيراده من «تسميات مدارس» إنما جاء من باب التجاوز لغرض التقريب والإيضاح. فحقيقة الأمر هي أنه توجد اتجاهات في الأدب العربي الحديث، وما ينقصها كي تسمى «مدارس» هو الأساس الفلسفي الذي تفتقده، والذي يعبر عن تغير في طبيعة النمو المجتمعي العام نمواً موازناً أو مكافئاً لما عرفه الغرب وكان منطلقاً ودافعاً لولادة مدارس الأدب عنده.
وهذا الأمر يقود من جديد إلى التذكير بالإشكالية التي سبق ذكرها في الكلام على مفهوم الحداثة في بدايات هذا البحث.
منقول للأمانة





   رد مع اقتباس

قديم June 1, 2010, 04:30 PM   رقم المشاركة : 6
معلومات العضو
ورد الحمام

عضو شرف

 







ورد الحمام غير متواجد حالياً


يعطيك العافيه على المجهود
بارك الله فيك
و دمت بخير
ورد الحمام





   رد مع اقتباس

إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


جديد مواضيع قسم منتدى المقالات الادبية والمكتبة الأدبية المتكاملة
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


رجيم سريع , صور غريبة , صبغات شعر , سك , ريجيم سريع , رجيم صحي , افكار منزلية , العلاقة الزوجية , تبييض الاسنان , وصفات لتطويل الشعر , شعر حزين , دفاتر تربوية , حلويات باردة , جهاز تكسير الدهون , اجمل الخواطر , اعراض السحر , علاج الحسد , تحميل كتب الكترونية مجانية , عروض بوربوينت , السوق الالكتروني , مجلة , مكياج


الساعة الآن 08:30 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7, Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO 3.6.0 PL2
المقالات والمواد المنشورة في منتديات ستوب لاتُعبر بالضرورة عن رأي ستوب ويتحمل صاحب المشاركه كامل المسؤوليه عن اي مخالفه او انتهاك لحقوق الغير